محمد بن جرير الطبري

521

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

هجرتك حتى قيل لا يعرف القلى * وزرتك حتى قيل ليس له صبر فطرب محمد ، وقال : أوقروا زورقه ذهبا . وذكر عن علي بن محمد بن إسماعيل ، عن مخارق ، قال : انى لعند محمد بن زبيدة يوما ماطرا ، وهو مصطبح ، وانا جالس بالقرب منه ، وانا اغنى وليس معه أحد ، وعليه جبه وشى ، لا والله ما رايت أحسن منها فأقبلت انظر إليها ، فقال : كأنك استحسنتها يا مخارق ! قلت : نعم يا سيدي ، عليك لان وجهك حسن فيها ، فانا انظر اليه وأعوذك قال : يا غلام ، فأجابه الخادم ، قال : فدعا بجبة غير تلك ، فلبسها وخلع التي عليه على ، ومكثت هنيهة ثم نظرت اليه ، فعاودني بمثل ذلك الكلام ، وعاودته ، فدعا بأخرى حتى فعل ذلك بثلاث جباب ظاهرت بينها قال : فلما رآها على ندم وتغير وجهه ، وقال : يا غلام ، اذهب إلى الطباخين فقل لهم : يطبخوا لنا مصليه ، ويجيدوا صنعتها ، وأتني بها الساعة ، فما هو الا ان ذهب الغلام حتى جاء الخوان ، وهو لطيف صغير ، في وسطه غضاره ضخمه ورغيفان ، فوضعت بين يديه ، فكسر لقمه فاهوى بها إلى الصحيفة ، ثم قال : كل يا مخارق ، قلت : يا سيدي ، اعفني من الاكل ، قال : لست أعفيك فكل ، فكسرت لقمه ، ثم تناولت شيئا ، فلما وضعته في فمي ، قال : لعنك الله ! ما اشرهك ! نغصتها على وأفسدتها ، وأدخلت يدك فيها ، ثم رفع الغضارة بيده ، فإذا هي في حجري ، وقال : قم لعنك الله ! فقمت ، وذاك الودك والمرق يسيل من الجباب ، فخلعتها وأرسلت بها إلى منزلي ، ودعوت القصارين والوشاءين ، فجهدت جهدي ان تعود كما كانت فما عادت . وذكر عن البحتري أبى عباده ، عن عبيد الله بن أبي غسان ، قال : كنت عند محمد في يوم شات شديد البرد ، وهو في مجلس له مفرد مفروش بفرش ، قلما رايت ارفع قيمه مثله ولا أحسن ، وانا في ذلك اليوم طاو ثلاثة أيام ولياليهن الا من النبيذ ، والله لا أستطيع ان أتكلم ولا اعقل ، فنهض نهضه